مصطفى لبيب عبد الغني
207
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
في فضل العقل ومدحه « * » أقول : إنّ البارىء عز اسمه إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه ، وإنه أعظم نعم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا . فبالعقل فضّلنا على الحيوان غير الناطق حتى ملكناها وسسناها وذللناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعها علينا وعليها ، وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا ويحسن ويطيب به عيشنا ونصل إلى بغيتنا ومرادنا . فإنا بالعقل أدركنا صناعة السفن واستعمالها حتى وصلنا بها إلى ما قطع وحال البحر دوننا ودونه ، وبه نلنا الطبّ الذي فيه الكثير من مصالح أجسادنا وسائر الصناعات العائدة علينا النافعة لنا ، وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منّا الخفية المستورة عنّا ، وبه عرفنا شكل الأرض والفلك وعظم الشمس والقمر وسائر الكواكب وأبعادها وحركاتها ، وبه وصلنا إلى معرفة البارىء عزّ وجلّ الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أصبنا . وبالجملة فإنه الشئ الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين ، والذي به نتصور أفعالنا العقليّة قبل ظهورها للحس فنراها كان قد أحسسناها ثم نتمثّل بأفعالنا الحسيّة صورها فتظهر مطابقة لما تمثّلناه وتخيّلناه منها . وإذا كان هذا مقداره ومحلّه وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحطّه عن رتبته ولا ننزّله عن درجته ، ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه ، ولا وهو الزمام مزموما : ولا وهو المتبوع تابعا ، بل نرجع في الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه ، فنمضيه على إمضائه ونوقفها على إيقافه ، ولا نسلّط عليه الهوى الذي هو آفته ومكدّره والحائد به عن سننه ومحجتّه وقصده واستقامته ، والمانع من أن يصيب به العاقل رشده وما فيه صلاح عواقب أمره ، بل نروضه ونذللّه ونحمله ونجبره على الوقوف عند أمره ونهيه . فإنّا إذا فعلنا ذلك صفا لنا غاية صفائه وأضاء لنا غاية إضاءته وبلغ بنا نهاية قصد بلوغنا به ، وكنّا سعداء بما وهب الله لنا منه ومنّ علينا به . ( ص 17 - 19 ) .
--> ( * ) ( نقلا عن : كتاب " الطب الروحاني " لأبى بكر الرازي - ضمن رسائل فلسفية ، تحقيق كرواس ، ب ، بيروت 1982 م ) .